أبي حيان التوحيدي
194
المقابسات
35 مقابسة [ في عجيب شأن أهل الجنة وكيف لا يملون النعيم والأكل الخ ] سمعت أبا إسحاق النصيبي المتكلم « 1 » - وكان من غلمان جعل - يقول : ما أعجب أمر أهل الجنة ؟ قيل : وكيف ؟ قال : لأنهم يبقون أبدا هناك لا عمل لهم إلا الأكل والشرب والنكاح ؟ ! أما تضيق صدورهم ؟ ! أما يكلّون ؟ ! أما يربئون بأنفسهم عن هذه الحال الخسيسة التي هي مشاكلة لحال البهيمة ؟ ! أما يأنفون ؟ ! أما يضجرون ؟ ! وأخذ في هذا وشبهه يبوح مستعظما ؟ ! وكان يقول بتكافؤ الأدلة ، ويجيب عن أكثر الناس ويفاتح فيه ابن الخليل ويناقله عليه ، ولعمري إن من طلب طمأنينة النفس ، ويقين القلب ، ونعمة البال ، بطريقة أصحاب الجدل وأهل البلاء ، حل به هذا البلاء ، وأحاط به هذا الشقاء . والكلام كله جدل ودفاع ، وحيلة وايهامه ، وتشبيه وتمويه ، وترقيق وتزويق ، ومخاتلة وتورية ، وقشر بلا لب ، وأرض بلا ريع ، وطريق بلا منار ، وإسناد بلا متن ، وورق بلا ثمر ، والمبتدئ فيه سفيه ، والمتوسط شاك ، والحاذق فيهم متهم ؛ وفي الجملة آفته عظيمة ، وفائدته قليلة . نعم ، فأعدت على أبى سليمان قوله بنصه ، وحكيت له شمائله فيه ، فقال في الجواب : إنما غلب عليه هذا التعجب من جهة الحسّ لا من جهة شئ آخر ، وهكذا كل ما فرض بالحسّ أو لحظ بالحس . لأنه قد صح أن شان الحسّ أن يورث الملال والكلال ، ويحمل على الضجر والانقطاع ، وعلى السآمة
--> ( 1 ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى النصيبي ، أحد أفاضل المتكلمين ، ولم أعثر له إلى الآن على ترجمة .